من ليس له من اسمه نصيب

 

صحيح أنّ اسمه يدلّ على مكان مرتفع، أو مكانة رفيعة تأويلاً، لكنّه أحد من لا يملكون من اسمهم نصيباً. نهجه في الحياة عموماً هيهات منه ذلك المكان المرتفع وتلك المكانة الرفيعة. هو التطبيق الفعلي للفرق ما بين الثريا والثرى. بعض الثرى طيّب خيّر فيه تبر، وهو لا يخوض الثرى إلّا بحثاً عن قذارة يغتذيها، وينصهر فيها حتى لا يعود هناك فارق بينهما.

شخصية الشرير، أو البطل العكسي، في الأدب الشعبي والأفلام السينمائية، تتنوع ما بين أيديولوجي وفوضوي وكلب مال وغير ذلك، لكنّه هو بالذات لا يمكن اعتباره شريراً بالمعنى الكامل، ولا يمكن اعتباره بطلاً نهائياً وإن كان بطلاً عكسياً. هو مزيج من الانحطاط والخبث ومحاولات الدهاء الغبية لكن الرائج بفضل رعاة كبار يضعونه في مكانه ويروجون له ويدعمون سفالته.

وبذلك، فإنّ شخصية المجرم الشرير المحكوم بالإعدام "وليام وارتون" الذي اغتصب طفلتين وقتلهما، في فيلم "الميل الأخضر" لا تناسب هذا الوضيع، فهي شخصية شريرة فوضوية مائلة إلى القوة مع كراهية النظام، لكنّ وضيعنا في المقابل من عتاة النظام، بل هو عبد صغير في نظام القذارة العالمي مما يروَّج له على أنّه الخير المطلق. هو أقرب ما يكون إلى شخصية أخرى في الفيلم نفسه؛ شخصية مليئة بعقد شخصية أتاحت لها الظروف الوصول إلى مسؤولية ما، لكن من دون أن تنزع عنها تلك العقد. تلك شخصية حارس السجن "بيرسي" الذي يكره الجميع، لكنّه على الطريقة المكيافيلية، يستعيض عن محاولة جعلهم يحبّونه بتخويفهم، لا بقوته الشخصية أو منطقه، بل بصلاته بحاكم الولاية. كلّ ذلك لم يمنعهم من التنكيل به والسخرية منه حين تسنّى لهم ذلك. هي شخصية وضيعة منحطة فقط، ومهما ظنت نفسها مؤثرة فهي لا تقنع إلّا نفسها التي تكرهها أيضاً، على طريقة "غولام" في سيد الخواتم.

دور الوضيع هذا مطلوب في الأزمات، عندما ينتصر الشرّ ويبسط سلطانه فلا يعود لأصحاب الحق إلّا رمي مصائرهم بين أيدي وضعاء. مع ذلك، لا يذكر التاريخ مثله في خانة العظماء مهما كيل له المديح من أعلى المنابر في حياته، أو خلال فترة مهمته. لكنّ كثيرين أيضاً لا يوفرون إهانته وهو في عزّ جبروته، وفي هذا يقول أحد هجّائي العصر العباسي، ابن لنكك، لموظف من هذا النوع:

ما ازددتَ حين وُليتَ إلاّ خِسّةً
الكلبُ أنجسُ ما يكونُ إذا اغتسلْ

عصام سحمراني

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

جمهور "الست"

"عايشة الدور" مواهب وخفة ظلّ تطغى على القصة المكررة