مع كلّ غزو، يخضع الاحتلال لحقيقة تاريخية تكررت عبر القرون وأثبتتها تجارب الشعوب في مختلف القارات: لا يمكن استئصال حركات المقاومة المتجذرة في مجتمعاتها، ولا يمكن اقتلاع شعب من أرضه بمجرد امتلاك التفوق العسكري أو التكنولوجي. فالأرض ليست مجرد مساحة جغرافية تُرسم حدودها على الخرائط، بل هي وعاء للذاكرة الجماعية، ومصدر للهوية، ورابطة انتماء ومصير تتجاوز الحسابات العسكرية الآنية. لا شك أنّ الاحتلال يمتلك قدرة هائلة على التدمير؛ فهو قادر على قتل المدنيين، ونسف الأحياء السكنية، وتخريب البنى التحتية، وفرض أثمان إنسانية باهظة على المجتمعات الواقعة تحت القهر. غير أن العلوم السياسية وعلم الاجتماع التاريخي يقدمان درساً ثابتاً مفاده أن أدوات "القوة الصلبة" قادرة على إخضاع الأجساد لفترات متفاوتة، لكنها تعجز عن إخضاع الإرادة الجمعية أو محو القناعات الراسخة في وجدان الشعوب. تؤكد نظريات علم الاجتماع السياسي، أن حركات التحرر لا تستمد استمراريتها من قدراتها العسكرية وحدها، بل من ارتباطها بالنسيج الاجتماعي الذي يحتضنها ويعيد إنتاجها جيلاً بعد جيل. فحين تتحول المقاومة إلى جزء من الوعي الجماعي، ت...
إلى جانب ما يحظى به شارع الحمرا من صيت على مستويات التجارة والخدمات المالية والسياحية والترفيه، فإنّ الثقافة من معالم هويته البارزة. لا يقتصر النشاط الثقافي على أكشاك الجرائد والمجلات، ودور النشر، والمكتبات التجارية والجامعية، والمنتديات، والمسارح، ودور السينما، بل يتعداها إلى النقاشات العامة بين شرائح مختلفة على المقاهي؛ عمال وطلاب ومهنيين وفنانين ومثقفين. وبينما يروح هؤلاء ويجيئون، تبقى صامدة لوحات جدارية عملاقة تشارك في النسيج الثقافي، هي ما يتحدث الإدراج عنه. هذا النوع من الفن يندرج في إطار الغرافيتي ( Graffiti جرافيتي ) العام، و ينتشر على جدران مبانٍ مرتفعة في الحمرا، لتغطي واجهات كاملة منها. وبينما يتنوع ما بين مكتوب ومرسوم، تتنوع قضاياه أيضاً ما بين السياسي، والاجتماعي، والفني الخالص. لكن، هل يعتنق روح هذا الفن فعلاً؟ تدوينة مميزة: "شعيبياتنا كتير طيبين"... عن نداءات البائعين في لبنان تقول الدكتورة صديقة الفتني، في بحثها "الممارسة الغرافيتية في ضوء النظرية النقدية لمدرسة فرانكفورت، أي تفسير؟" 1 : "تعود ظاهرة الكتابة والرسم على الجدران (الغرافيتي) بمعنا...