برافو كابتن
كان يوماً بارداً، أمطاره صنعت مستنقعات صغيرة في الملعب الرملي، لكنّّه حدث كبير لا يجرؤ أحدنا على تفويته.
شتاء عام 2000، على عجلٍ، ومن دون مقدمات، شُكّل فريق من أبرز لاعبي ملعبي مارون الراس والمخفر، في المريجة بالضاحية الجنوبية لبيروت، لتحدي فريق آتٍ من العاصمة، يضم لاعبين في الدرجة الأولى وثلاثة من النجوم المعتزلين أحدهم كان حسن عبود. هذا اللاعب الأيقوني كان قد اعتزل قبلها بسنوات، لكنّ ذكراه كانت تحفر عميقاً في قلب كلّ نجماوي، فعبود عاصر جيل التتويج بالدوري قبل الحرب الأهلية عام 1975، جيل ديربي النجمة والراسينغ، كما عاصر جيل التتويج بالكأس مرتين بعدها (1987 و1989)، جيل ديربي النجمة والأنصار. وعلى الرغم من مغادرته الفريق أوائل التسعينيات في ظروف مؤلمة، ظلّ عند جميع النجماويين رمزاً كبيراً لا تنازعه غير قلة مكانته.
كنتُ من ضمن الفريق الذي تشكل لمواجهة حسن عبود ورفاقه في ذلك اليوم. وكنتُ بين الدراسة والعمل أحاول التوقيع لأحد الأندية الكبرى، ولا سيما النجمة. لكنّ تلك المباراة كانت تعويضاً عن صيف آخر مرّ من دون أن أحظى بالانضمام إلى فريق ما.
حسن عبود كان نجماً حقيقياً، وإن تجاوز الأربعين يومها. يشبه الطحبوش في ركضه، ولا تُنتزع الكرة من بين قدميه، وتمريراته رغم الملعب السيئ غالباً ما تصل إلى هدفها، كما يسدد بدقة.
لا أتذكر عن تلك المباراة الكثير، وإن كنا خسرنا أم ربحنا، لكنني أتذكر ركلة ركنية سددها زميلي باتجاهي وأنا خارج منطقة الجزاء، فقفزت ووجهتها بمقصية أصابت القائم بقوة وخرجت. وبينما كنت أهمّ بالوقوف متحسراً، مدّ حسن عبود يده إليّ ليساعدني، وهو يقول: "برافو كابتن". كم كانت سعادتي كبيرة بعدها، إذ أخبرتُ والدي وأشقائي وأصدقاء الملعب والمدرسة بما قاله لي هذا النجم الأسطوري.
اقرأ أيضاً: عدنان الشرقي النجماوي والصحافي
كانت عبارته المؤلفة من كلمتين لا أكثر، مثل نيشان علقته على صدري. لكنّني مع ذلك، لم أوقّع لأيّ نادٍ بعدها. وفي بلد مثل لبنان لا يعرف قيمة الإنجاز الرياضي، ولا يقدّر رياضييه، أو يدعم سعيهم لتوفير عيش كريم، ربما كان أفضل لي أن أتخلى عن الفكرة بعد محاولات عدة، ولعلّ حسن عبود نفسه، الذي توفي اليوم، كان سيقولها مجدداً لي رداً على ابتعادي: "برافو كابتن" ليس لأنّ الكرة ظلمته بذاتها، إذ كانت تحبه كما يحبها، بل لأنّ المتحكمين بها ظلموه وظلموا كثيرين غيره، ولا يزالون.
رحم الله حسن عبود...
عصام سحمراني

تعليقات
إرسال تعليق