يوم "البيكار"

 


يلقي الناظر الضخم، برأس التلميذ المسكين، بين إبطه وصدره. يحاول بكلّ قوته فتح فم الفتى. لكنّ الأخير، على عناده، وأعصابه المشدودة خوفاً، يكزّ على أسنانه، ويرفض الإنصياع. يستمر الناظر، ويحمل بيده الثانية بيكاراً خشبياً كبيراً له سن حديدي.

يصرّ الناظر أكثر مع تعرقه البشع، ويصرخ قائلاً: "سأكسر سنّك كما كسرت سنّه". بيكار.. تضحكني هذه الكلمة. فكلما سمعتها، أعادتني، بغير قصد، إلى غرفة الناظر تلك، قبل عشرين عاماً. الناظر، ذلك الوحش الأسطوري في مخيلتنا الصغيرة، وواقعنا.

فكان الحديث عنه فقط كفيلاً بنشر النظام في المدرسة. كنت، مع إبراهيم، في الصف السابع. وهذا الفصل المكتظ، كغيره، في المدرسة الصغيرة، يعرف الفتى تمام المعرفة. فإبراهيم، وهو في الثانية عشرة، لطالما شغل المدرسة بسلوكه المزعج، حدّ الغرابة أحياناً.

وبطبيعة الحال، كان نزيلاً دائماً في غرفة الناظر. هي شخصيته المعهودة. فمن إزعاج مستمر للمدرسين، إلى مقالب برفاقه، تلمس حدود العبقرية، كان صديق الجميع المفضل.

تعززت تلك السمعة أكثر، عندما نفّذ مقلبه الشهير بياسر، ذلك الفتى الضخم، الذي يكبرنا بثلاثة أعوام.

كنا نخافه، وبقي الخوف نفسه بعدها، رغم مقلب إبراهيم.. العلامة المظلمة في سجل ياسر. يومها دخل إبراهيم غرفة الصف متأخراً، وكلٌّ في مكانه المعهود. واتجه، أمام أستاذ العلوم، يحمل كيساً أسود، إلى آخر الغرفة.. هناك حيث يجلس ياسر.

بسرعة خاطفة وضع الكيس في رأسه. جنّ جنون ياسر، وقفز من مكانه، خلف إبراهيم، إلى خارج الغرفة. وقبل أن يصل الأستاذ والناظر، كان قد أدمى إبراهيم من شفتيه وأنفه.

أخذ الناظر إبراهيم إلى غرفته، لتنظيف جروحه. أما ياسر فقد أُرسل إلى المنزل، بسبب الرائحة النتنة التي انبعثت منه.

فمفاجأة إبراهيم لطخت جسده وملابسه، ببقايا سردين عفنة. في يوم البيكار ذاك، لم يشأ إبراهيم أن يحمّلني كلّ الذنب. فقد كنت شاركته ضرب الفتى، وكُسرت سنه بركلة مني. أخذنا الناظر سوية، ولمّا سألني ولم أجب، كان كف يده، قد طبع على وجهي خمستين، ارتجفت لهما عيني اليسرى. وفيما عاند إبراهيم البيكار، رضي الناظر بعد تعب، أن يخفف الحكم، ويكتفي بجملة من الصفعات والركلات... عقاب اعتاد عليه إبراهيم.

إرهاب الناظر كرّس النظام في المدرسة، ولو على خوف. أما التفوق العلمي، فنقرأه في نجاح اثنين فقط، من أصل خمسين تلميذاً في الفصل.

يبدو الأمر اليوم، مشابهاً، حتى ولو منع الضرب في المدارس. الفارق أنّ النظام اختلّ، وإفادات وزارة التربية في لبنان، باتت تشجع من نجح أيضاً، على عدم بذل أيّ جهد إضافي.

عصام سحمراني

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

جمهور "الست"

"عايشة الدور" مواهب وخفة ظلّ تطغى على القصة المكررة