بعدوان مفتوح أو بهدنة كاذبة، يكرر العدو الصهيوني ضرب مناطق لبنانية عدة، ولا سيما في الخط الجنوبي الأمامي، تبعاً لتفرقة مناطقية مذهبية اعتمدها واغتبط بها كثيرون، عدا عن نسف مبانٍ ومنشآت وحرق أراضٍ حرجية وزراعية في القرى والبلدات الحدودية. كلّ يوم يوسع الاحتلال استهدافاته، ويرسل متحدثوه أوامر إخلاء بمربعات ودوائر حمراء إلى قرى قريبة وبعيدة من الحدود، وكلّ يوم يسقط شهداء وجرحى في هذه القرى، لكنّ هؤلاء لا يأخذون الكثير من وقت المسؤولين اللبنانيين الكبار في الرئاسة والحكومة، ولا من وقت زعماء المذاهب سياسيين ودينيين. فهؤلاء مشغولون باليوم التالي، ويحسبونه عصراً أميركو-صهيونياً يفتح أمامهم آفاق تكرار فساد اعتنقوه طوال أجيال من عمر ما يسمى "بناء الدولة"... ذلك الشعار الخلاب، لكن الخلبي، والذي لم يطبقه بحق غير مسؤول واحد فقط، هو رئيس الجمهورية فؤاد شهاب (1958 - 1964)، فحورب من الفاسدين؛ سياسيين ودينيين وماليين، بتكافلهم وتضامنهم وعبورهم الطوائف، وانقلبوا على نهجه سريعاً.
في كلّ الأحوال، لا ينتظر العدو رأي أحد في لبنان، كي يقرر أن يعتدي أو ألّا يعتدي، فمن والاه من المسؤولين مجرد عميل رخيص، ومن سكت عن الحق شيطان، ومن عاداه هدف في كلّ حين. كذلك، لا يهم العدو أن يبرر أمام أحد، لكنّه يتخذ خديعة أوامر الإخلاء (يسمّيها إنذارات) كي يرتكب جرائمه بغطاء "قانوني" دولي، يوفره له المتواطئون معه... وما أكثرهم في مؤسسات العالم.
المتبجحون ممن يتعاطون السياسة كثر في لبنان، ولديهم كثير من المطبّلين في ما يسمى إعلاماً، ينحط انحطاط وسائل التواصل. فانسحاب الجيش اللبناني من المواجهة له مطبّلوه، وتصنيف المقاومة خارجة عن القانون له مطبّلوه، واغتيال قادتها له مطبّلوه، ويتغنى هؤلاء باعتداء البيجر، وكذلك بملاحقة المقاومين وقتلهم مع عائلاتهم وكلّ من يكون قربهم بالصدفة حتى، وبهدم المباني، ونسف القرى، وتدمير الآثار، وحرق الحقول وتسميم التربة والمياه، وتهجير أكثر من مليون، بل يبرر هؤلاء قتل الصحافيين والمسعفين... لكلّ هذا مطبلوه. وفي المقابل، يستشرس هؤلاء كأنّهم العدو نفسه حين يصادفون كلمة تخالف ما اعتنقوه من تماهٍ مع الصهيوني...
هكذا، يحسب أصحاب الأجندة الأميركية في لبنان من المسؤولين أنّهم على حق، فالمطبلون كثر وصوتهم مرتفع جداً عبر الهواتف والشاشات، وإن لم يكن هذا هو التمثيل الحقيقي في أي حال. لكنّهم خنقوا الشاشات وآزرتهم أصوات صهيونية. وهكذا يروج "الفريق الرئاسي" أنّه عندما يتجه نحو مفاوضات مباشرة مع العدو يحقق تطلعات تلك "الجماهير" التي يريد أن يفرض أنّها أكثرية وما هي كذلك (الاستفتاء أبسط سبل التوصل إلى النتائج الصحيحة). لكنّ مشروع المفاوضات قائم رغم عدم تحقيقه شيئاً، فوقف إطلاق النار لم يتحقق والمجازر مستمرة وقضم الأراضي كذلك، والمسيّرة الصهيونية تكزدر فوق وسط بيروت، وبعبدا.
تدوينة مميزة: جميعهم يعشقون وليام والاس
إذاً، ما الحلّ - بعيداً عن النهج الاستسلامي؟ يجب أن ينطلق المسؤول من الناس أنفسهم، فأيّ مواطن لبناني يتساوى تماماً مع الرؤساء والوزراء والقادة... أليس هذا ما يروّج له البيان الوزاري وخطاب القسم والدستور من خلفهما وأمامهما وقبلهما وبعدهما؟ إذاً، على المسؤولين أن يساووا أنفسهم باللبنانيين على الأرض وأن يضعوا أنفسهم موضع الخطر نفسه، طالما أنّهم منعوا الجيش من ردّ هذا الخطر. فبما لدى هؤلاء المسؤولين من علاقات مع أصدقائهم في الخارج - الأميركيين خصوصاً - عليهم أن يمنعوا الاعتداءات الصهيونية المرتبطة بأوامر الإخلاء على الأقل. وهنا دعوني أشطح خيالاً، لأقول إنّ الأمر بسيط، ويعكس ثقافة مواطنة وحس مسؤولية عاليين، وهو أن ينتشر المسؤولون في مناطق الإخلاء الحمراء، كلما أرسل الصهيوني أمراً جديداً، ليعلنوا أنّهم يدافعون بأرواحهم عن مواطنيهم.
لن يفعلها أحد قطعاً، فلا أحد في العالم وإن كان صديقاً للصهيوني يأمنه، ولا أحد من المسؤولين اللبنانيين يعتبر نفسه ممثلاً للمواطنين جميعاً، بل كلٌّ لفئته المذهبية... لكن، ألا يستحق اللبنانيون، ولا سيما الجنوبيين، من يدافع عنهم بحق وليس بتفاهات كلامية؟

تعليقات
إرسال تعليق