جميل فيلم "بريف هارت" بكلّ ما فيه، ويصبح أجمل عندما يعرف المشاهد أنّه يستند إلى قصة حقيقية. قصة وليام والاس الذي ناطح الإمبراطورية الإنكليزية بكلّ جبروتها، دفاعاً عن فكرة، عن إيمان، لديه أنّ الشعب الاسكتلندي يجب أن يكون حراً.
كان والاس من جماعة "الحيط الحيط يا رب السترة". كان يعتقد أنّ الحرية هي أن تزرع وتحصد في هدوء بعيداً عن صخب السياسة. لكنّ الاحتلال لا يتركك في حالك وإن قررت أن تعيش مجرد فطرٍ ينمو فوق شجرة في قلب غابة.
استصغر والاس نفسه أمام تلك القوة العظمى التي تحكم بلاده، وهو ما جعله ينظر إلى من يحكمه من السياسيين المحليين "النبلاء" ممن يهادنون الملك ويحظون بمكرماته، نظرة غير مبالية، إذ يرضى بواقع يبرر لهم ضعفهم الذي يجعلهم مجرد أدوات بيد المحتل.
بذلك، لم يختر والاس أن يكون بطلاً وأن يكون قائد المقاومة، بل فُرض عليه في البداية أن يقاوم مهما كانت التضحيات ومهما كانت قدرة العدو. لا شكّ أنّها فكرة خلّابة في تاريخ الأدب والفن، ولا تجد معارضين لها إلّا بين المطبّعين مع الاحتلال في كلّ زمان ومكان، كما كان الحال مع حكّام اسكتلندا المحليين المنتفعين بعظام يرميها إليهم الملك طوال أجيال، فيخدموه ويجبوا مكوسه ويرسلوا إليه الهدايا بشتى أنواعها: مالاً وأرضاً وعرضاً ودوساً على كرامة شعبهم.
لطالما تغاضى والاس عن سرقة "النبلاء" للفقراء، في قوانين يفرضونها وضرائب، واستيلاء مباشر، بل في تواطؤ مع المحتل أيضاً، إذ إنّ "العين لا تقاوم مخرزاً" هذا ما تعلّمه من ثقافته، لكن أن يحرق الاحتلال قريته ويقتل امرأته فتلك حكايتنا.
ليست للفيلم ذروة واحدة، بل ذروات، مع كلّ انتصار يحققه على العدو، ومع خذلانه على يد "النبلاء"، وصولاً إلى انتقامه منهم قتلاً وتشنيعاً، ونهاية بطعنه في ظهره على يد أقرب "النبلاء" إليه ممن آمن به وبمشروعه التحريري، حتى تعاون مع الإنكليز ضدّ والاس وسلّمه لهم. التصعيد الدرامي لا يهدأ في الفيلم الذي أخرجه وتولى بطولته ميل غيبسون، فلحظة إعدامه تحت التعذيب وصرخته الشهيرة "فريدوم/حرية" قبل كتم أنفاسه تحوله إلى ذلك الرمز الذي لا احتمال لتجاوزه مهما وقف الجميع ضده في لحظتها. هنا يُظهر المشهد الختامي خائنه "النبيل" بالذات وهو يخطب في الجيش الاسكتلندي المتجه إلى تقديم ألوية السلام والطاعة للجيش الإنكليزي: "كما قاتلتم مع وليام والاس، قاتلوا معي"... وتعود المقاومة.
الجميع يحبّ هذا الفيلم وبطله ويجلّ التضحيات من أجل دحر الاحتلال ومن أجل حرية الشعوب المقهورة. لا يلتفت أحد إلى مذهب القوات المحتلة والشعب المحتل، ولا يلتفت أحد إلى تلقي وليام والاس مساعدة من قوات أجنبية (الأيرلنديين) في معاركه، وتلقيه السلاح من جواسيس له داخل جيش العدو (زوجة ولي العهد، الفرنسية)... كلّ ما يهمه تلك الصرخة التي تستحق في مكنونها أن تكون وحدها عنواناً للنضال... الحرية.
فهل يموت وليام والاس - الفكرة والروح والإيمان؟

تعليقات
إرسال تعليق