التخطي إلى المحتوى الرئيسي

الصرصور الأكبر ينتصر لنفسه

 

أرخى الصرصور الأكبر مؤخرته على كرسيّه الدبق، يراقب شعبه من خلف زجاج مكتبه المظلم. كان يراهم "كتلة حيوية" تتحرك بدافع الجوع والبحث عن الشقوق الآمنة.
في عقيدته السياسية الجديدة، البقاء ليس للأصلح، بل للأكثر قدرة على التسلل والعيش في الظلام. حين لاح الخطر في الأفق، لم يواجه كما يفعل القادة، بل فعل ما هو متوقع منه باعتباره كبيراً للصراصير عند تسليط الضوء عليه: اندفع نحو أقرب شق يختبئ، تاركاً شعبه في الضوء بلا سقف واحد، حتى واجهوا العدو المبيد وحدهم.
 وعدهم بالرخاء وهو يعلم أنه يجرّهم نحو فخ الطُعم السام؛ وزّع عليهم السم مغلفاً بوعود النجاة التي قدمها له العدو المبيد. كان يدرك أنهم بفضل غريزة التبعية الجماعية سيأكلون وجبة العمالة من يده، لينقلوا الموت بعضهم إلى بعض داخل بيوتهم، بينما يظل هو محصناً في جحره العالي.
وبينما كان الصراصير يمرضون ويموتون، صار كبيرهم محظياً لدى العدو، تصله رسائل ودية منه. لم يعد لديه ولاء لمكان وشعب، وإن عدّهما مقدسين حين تولى أمرهم، بل ولاء للمصلحة.
الصرصور الأكبر جاهز لبيع "المستعمرة" كاملة مقابل كسرة خبز إضافية من يد العدو، أو لحظة أمان في زاوية معتمة. كان يؤمن أن جموع الصراصير، ستعتاد العيش في المجاري إذا جُوّعت بما يكفي، وأنّ بعضهم سيفترس بعضهم في أول أزمة.
انتهى الأمر بالصرصور الأكبر غريباً عن جنسه. بات وطنه مجرد شق في جدار التاريخ، حيث لا صوت يعلو فوق صوت الزحف في الظلام، ولا قيمة لمن لا يملك قرون استشعار لشمّ رائحة الغدر قبل وقوعها.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

برافو كابتن

  كان يوماً بارداً، أمطاره صنعت مستنقعات صغيرة في الملعب الرملي، لكنّّه حدث كبير لا يجرؤ أحدنا على تفويته.

جمهور "الست"

  جمهور "الست" في قاعة "سينما سيتي" وسط بيروت ، في عرض الخامسة والنصف، كان كلثومياً من النظرة الأولى إليه، بعد سماع الضحكات والآهات وترديد الأغاني مع الأحداث الممتدة أكثر من ساعتين ونصف. فالنهار عيد الميلاد، وهو عطلة رسمية في لبنان ، ومناسبة عائلية.

من ليس له من اسمه نصيب

  صحيح أنّ اسمه يدلّ على مكان مرتفع، أو مكانة رفيعة تأويلاً، لكنّه أحد من لا يملكون من اسمهم نصيباً. نهجه في الحياة عموماً هيهات منه ذلك المكان المرتفع وتلك المكانة الرفيعة. هو التطبيق الفعلي للفرق ما بين الثريا والثرى. بعض الثرى طيّب خيّر فيه تبر، وهو لا يخوض الثرى إلّا بحثاً عن قذارة يغتذيها، وينصهر فيها حتى لا يعود هناك فارق بينهما.