تلمع في رأسي، كلّ عام، تواريخ تعلمناها في المدرسة، واختبرتنا وزارة التربية فيها لنيل شهادتي البريفيه والبكالوريا. طبعاً، كانت في مادة التاريخ، وكانت تلك التواريخ تحمل أحداثاً محددة تتمحور على الحربين الأولى والثانية وبينهما، وما يرتبط بهذه الفترة من أحداث، من قبيل: ماذا حدث في التواريخ الآتية "7 أيار 1915؟"، "6 نيسان 1917"، "6 أيار 1916"، "11 كانون الأول 1941"، "6 آب 1945"... وهكذا.
قبل يومين، بينما أقفل عدد اليوم التالي من الجريدة، أي عدد يوم الأحد، الأول من تشرين الثاني، وصلتني على نظام التحرير مادة من أحد الأقسام مسبقة الموعد. ومجدولة لعدد الثاني من تشرين الثاني. المادة لا علاقة لها بالسياسة من قريب أو بعيد، بل هي فنية غنائية، ولا تحمل حتى دلالات فلسفية يمكن أن تربطها بالسياسة، لكنّ التاريخ نفسه الثاني من تشرين الثاني، الثاني من نوفمبر، أطلق شرارة في إحدى خلايا دماغية، وجعلني أتنبّه إلى أنّها ذكرى وعد بلفور المشؤوم، في الثاني من تشرين الثاني 1917.
في العادة أستعيد تلقائياً مع التاريخ المحدد الحدث وسيرورته وصيرورته وارتباطاته، لكنّني للمرة الأولى ربما، خصوصاً مع ثلاث سنوات من القهر والعجز والتشرذم وتجزير الاحتلال بنا في فلسطين ولبنان، وعدوانه على سوريا واليمن والعراق وإيران وقطر، وجدتني أقارن بين وعد بلفور المتحقق، ومئات وعود الأنظمة العربية للشعوب مما لم يتحقق شيء منه، بل ما زال مطلقو الوعود يتناسلون ويورثون ويواصلون إطلاق الوعود، استراتيجيةَ حكم وتخدير.
هل من داعٍ لتعداد تلك التعهدات الفضفاضة في خطابات القسم القيادية، والبيانات الوزارية، وتهديدات ومواقف عسكرية؟ أعتقد أنّ البيانات الختامية النارية لدورات القمة العربية المتعاقبة، منذ "القمة التأسيسية لوقف العدوان على فلسطين" في أنشاص 1946، وتكرار كلمة فلسطين عشرات المرات مع إطلاق مبادرات و"لاءات" دون طحن، أكثر من كافية...
أتذكر مجدداً سنوات الدراسة؛ مادة الأدب العربي هذه المرة، ووعود عرقوب الكاذبة التي انتهجتْها سعادُ كعبِ بن زهير... ومعها تراث القرنين العشرين والواحد والعشرين، الخطابي العربي.
عصام سحمراني

تعليقات
إرسال تعليق