التخطي إلى المحتوى الرئيسي

المقاومة والاحتلال والمعادلة الواضحة

 
مع كلّ غزو، يخضع الاحتلال لحقيقة تاريخية تكررت عبر القرون وأثبتتها تجارب الشعوب في مختلف القارات: لا يمكن استئصال حركات المقاومة المتجذرة في مجتمعاتها، ولا يمكن اقتلاع شعب من أرضه بمجرد امتلاك التفوق العسكري أو التكنولوجي. فالأرض ليست مجرد مساحة جغرافية تُرسم حدودها على الخرائط، بل هي وعاء للذاكرة الجماعية، ومصدر للهوية، ورابطة انتماء ومصير تتجاوز الحسابات العسكرية الآنية.

لا شك أنّ الاحتلال يمتلك قدرة هائلة على التدمير؛ فهو قادر على قتل المدنيين، ونسف الأحياء السكنية، وتخريب البنى التحتية، وفرض أثمان إنسانية باهظة على المجتمعات الواقعة تحت القهر. غير أن العلوم السياسية وعلم الاجتماع التاريخي يقدمان درساً ثابتاً مفاده أن أدوات "القوة الصلبة" قادرة على إخضاع الأجساد لفترات متفاوتة، لكنها تعجز عن إخضاع الإرادة الجمعية أو محو القناعات الراسخة في وجدان الشعوب.

تؤكد نظريات علم الاجتماع السياسي، أن حركات التحرر لا تستمد استمراريتها من قدراتها العسكرية وحدها، بل من ارتباطها بالنسيج الاجتماعي الذي يحتضنها ويعيد إنتاجها جيلاً بعد جيل. فحين تتحول المقاومة إلى جزء من الوعي الجماعي، تصبح أكثر من تنظيم أو مجموعة مقاتلين؛ تصبح ثقافة سياسية، ورمزاً للكرامة الوطنية، وشكلاً من أشكال التعبير عن حق المجتمع في الدفاع عن نفسه.

من المفارقات التي كشفتها دراسات الصراعات أن القمع المفرط غالباً ما يؤدي إلى نتائج معاكسة لأهدافه، إذ يسهم العنف الموجّه ضد المدنيين في توسيع دائرة التعاطف مع المقاومة وتعزيز شرعيتها الاجتماعية، حين يتحول الألم الجماعي إلى حافز إضافي للتمسك بخيار المواجهة بدلاً من التخلي عنه.

ويزخر التاريخ الحديث بشواهد تؤكد محدودية القوة العسكرية عندما تواجه إرادة شعبية منظمة. ففي أفغانستان، انتهى أطول تدخل عسكري أمريكي بعودة طالبان إلى السلطة عام 2021 بعد عقدين من الحرب. وفي الجزائر، عجزت فرنسا، رغم تفوقها العسكري الساحق، عن كسر إرادة شعب قرر انتزاع استقلاله. كذلك، في فيتنام، عندما اضطرت الولايات المتحدة إلى الانسحاب بعد حرب استنزاف طويلة أثبتت أن حرب العصابات قادرة على إنهاك أقوى الجيوش النظامية. وفي لبنان، أظهرت التجربة الممتدة منذ اجتياح عام 1978 أن الحروب الإسرائيلية المتكررة لم تنهِ المقاومة، بل دفعتها إلى مزيد من التنظيم والتكيف والتجذر داخل بيئتها الاجتماعية، مهما كانت طبيعتها الأيديولوجية... فالمسألة واضحة حين تكون المعادلة بين كيان احتلال وشعب يقع تحت الاحتلال، فيُقتل أبناؤه، ويهجّر، وتُدمّر بيوته ومنشآته.


الدرس السياسي الذي يتكرر عبر العصور هو أن الجيوش الغازية قد تتمكن من السيطرة على الأرض لفترة من الزمن، لكنها لا تستطيع بسهولة السيطرة على الوعي أو إعادة تشكيل الهوية الوطنية لشعب يرفض الخضوع. وحين تندمج المقاومة في الذاكرة الجماعية وتصبح جزءاً من تعريف المجتمع لنفسه، وإن كان هناك معارضون لها من المجتمع نفسه، لا تعني الانكسارات العسكرية المؤقتة نهايتها، بل تتحول غالباً إلى محطات لإعادة التموضع والتجدد.

لكلّ هذا، يتجاهل الرهان على القضاء النهائي على حركات المقاومة المتجذرة في فلسطين أو لبنان إحدى أكثر حقائق التاريخ رسوخاً: يمكن احتلال الأرض بالقوة، لكنّ الإرادة تبقىـ وها هي فلسطين بعد ثمانين عاماً على احتلالها؛ ترابها ودماء شعبها وأشجارها وسماؤها وحجارتها تنبض رفضاً للاحتلال وسياساته، وإن تباينت أشكال الرفض.

عصام سحمراني

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

10 لقطات من عدوان الـ 46 يوماً على لبنان

  1- رفعت قوى حزبية لبنانية، منذ بداية عدوان الـ46 يوماً على لبنان، في 2 آذار 2026، أعلاماً لها في شوارع عدة من بيروت وغيرها من المناطق، كي تقول للصهيوني إنّ هذا الشارع لا يعاديك فلا تقصفه، بل ربّما بعضها يقول له إنّ هذا الشارع صديق لك... أقول ربما.

Pluribus: المقاومة بعد التطبيع

روّج الصهاينة قديماً أنّ  احتلال بعض أجزاء  الوطن العربي لا يتطلب أكثر من مجموعة فتيات إسرائيليات على دراجات هوائية. تصوير كاريكاتيري واضح، لكنّ دول المواجهة ومن خلفها دول الصمود والتصدي و"اللاءات" الشهيرة، لم تصنع الكثير لدحض أسطرة البطولة الصهيونية المطلقة في هذا الشرق المنكوب بحكامه وبالصهيونية معاً.

برافو كابتن

  كان يوماً بارداً، أمطاره صنعت مستنقعات صغيرة في الملعب الرملي، لكنّّه حدث كبير لا يجرؤ أحدنا على تفويته.