تتسارع خطوات الصيادين المبكرين وراء مجموعة من الطيور التي لم يعد لها من مخبأ، فترتضي بنصيبها المتوقّف عند قدرتهم على اصطيادها. تتسابق البنادق ويعلو ضجيجها معكراً صفو الطبيعة التي تشغل الحواس في ما اتفق عليه منها وما زُعم وجوده. تتسلّق الشمس أعمدة الجبال وتتعمد الوقوف في وجهي ضاحكة كي تهديني صباحاً جميلاً من عليائها. فتذكّرني بتلك الصبية التي تشبه الشمس. تتماوج أغصان شجر السرو والشربين العتيق، وأنا أسند ظهري على واحدة منها، وتعبق رائحة الصمغ الشهية في الأجواء فتعيد إليّ أيام صبا مضت سريعة.
ألتقط بندقيتي وبينما أهبّ لإيقاظ المناوب بعدي، وقد حلّت الساعة السادسة صباحاً، أسمع صوتاً مزعجاً: "اجتماع يا عسكر… حريق... حريق... حريق، قوموا"... يعلنها المؤهل ويمنحنا دقيقتين للتجهز، معكراً نوم البعض والاستراحة المفترضة للآخرين بعد نوبات الحرس الطويلة.
هكذا، أسلّم نوبتي لزميلي، وأضيف الخوذة إلى هندامي الجاهز أساساً، ونسلَّم رفشاً لكلّ خمسة منا. نستقل الشاحنات ونمضي في اتجاه الحريق على بعد نحو خمسة كيلومترات. ننزل منها، ونلتحق بالنقيب الذي يقف على بعد أكثر من ثلاثمئة متر من الحريق، بقبعة التمرين العسكرية والنظارة السوداء. يأمرنا حالما نصل بألاّ نتلكأ، ويوجهنا "بخبرة وحنكة يحسد عليهما" كما يسخر بعضنا.
اقرأ أيضاً: تبريرات صهيونية... للمطبعين
تفرّ العصافير، وتفضّل الاقتراب من ماكينة الصيد الصوتية تصدح في الأجواء منذ منتصف الليل. تحرق الشمس وجوهنا باتحادها مع النيران وبدلاتنا الحارة المتصبّبة عرقاً. يذوب أسفل بوطاتنا، فيبعث رائحة مطاط محترق. حينها يصل فوج الإطفاء بعد إتمامنا المهمّة، كي يطفئ نار غضبنا ربّما.
إطفاء الحرائق مهمة من مهام كثيرة تُسند إلى الجيش اللبناني، بعيداً عن مهمته المفترضة الوحيدة؛ حماية الحدود.

تعليقات
إرسال تعليق