التخطي إلى المحتوى الرئيسي

حريق عسكري


أجول بنظري في تلك الجبال الخضراء، التي لا شجرة فيها أو بناء. أشرد لحظات كأنّها دهر كامل، كما يقال عن الأحلام والثواني التي تتحول إلى أيام وليالٍ فيها. هناك يسرح الرعيان وراء قطعانهم منتقلين بها بين الأعشاب الصغيرة، وينادون عليها بأصوات عجيبة ورثوها عمّن سبقهم. تألف الماعز تلك الأصوات وتعتاد عليها وتلتزم بها، فإن لم تلتزم رماها الرعيان بحجارة صغيرة، كما شعوب بأكملها تطيع فإن انتفضت قُمعت وعادت إلى طوع "رعيانها" ولم تتمرد أو تنتفض في جيل أو جيلين بعدها.

تتسارع خطوات الصيادين المبكرين وراء مجموعة من الطيور التي لم يعد لها من مخبأ، فترتضي بنصيبها المتوقّف عند قدرتهم على اصطيادها. تتسابق البنادق ويعلو ضجيجها معكراً صفو الطبيعة التي تشغل الحواس في ما اتفق عليه منها وما زُعم وجوده. تتسلّق الشمس أعمدة الجبال وتتعمد الوقوف في وجهي ضاحكة كي تهديني صباحاً جميلاً من عليائها. فتذكّرني بتلك الصبية التي تشبه الشمس. تتماوج أغصان شجر السرو والشربين العتيق، وأنا أسند ظهري على واحدة منها، وتعبق رائحة الصمغ الشهية في الأجواء فتعيد إليّ أيام صبا مضت سريعة.

ألتقط بندقيتي وبينما أهبّ لإيقاظ المناوب بعدي، وقد حلّت الساعة السادسة صباحاً، أسمع صوتاً مزعجاً: "اجتماع يا عسكر… حريق... حريق... حريق، قوموا"... يعلنها المؤهل ويمنحنا دقيقتين للتجهز، معكراً نوم البعض والاستراحة المفترضة للآخرين بعد نوبات الحرس الطويلة.

هكذا، أسلّم نوبتي لزميلي، وأضيف الخوذة إلى هندامي الجاهز أساساً، ونسلَّم رفشاً لكلّ خمسة منا. نستقل الشاحنات ونمضي في اتجاه الحريق على بعد نحو خمسة كيلومترات. ننزل منها، ونلتحق بالنقيب الذي يقف على بعد أكثر من ثلاثمئة متر من الحريق، بقبعة التمرين العسكرية والنظارة السوداء. يأمرنا حالما نصل بألاّ نتلكأ، ويوجهنا "بخبرة وحنكة يحسد عليهما" كما يسخر بعضنا.

اقرأ أيضاً: تبريرات صهيونية... للمطبعين

نخترق ألسنة اللهب نحو الجهة الأخرى فنقف مع اتجاه الهواء. لكنّ ذلك لا يمنع هبوب النيران بين الحين والآخر باتجاهنا. نبدأ في إخماد الحريق بوسائلنا البدائية تلك، فنطأ بأقدامنا الحشائش المتأججة والأحجار المتفحمة، ولا نتمكن من فعل شيء مع الأشجار المشتعلة التي سرعان ما تقع وتتفحم، إلى أن نتمكن من حصارها ومنعها من التمدد على الأقل.

تفرّ العصافير، وتفضّل الاقتراب من ماكينة الصيد الصوتية تصدح في الأجواء منذ منتصف الليل. تحرق الشمس وجوهنا باتحادها مع النيران وبدلاتنا الحارة المتصبّبة عرقاً. يذوب أسفل بوطاتنا، فيبعث رائحة مطاط محترق. حينها يصل فوج الإطفاء بعد إتمامنا المهمّة، كي يطفئ نار غضبنا ربّما.

إطفاء الحرائق مهمة من مهام كثيرة تُسند إلى الجيش اللبناني، بعيداً عن مهمته المفترضة الوحيدة؛ حماية الحدود.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

جمهور "الست"

  جمهور "الست" في قاعة "سينما سيتي" وسط بيروت ، في عرض الخامسة والنصف، كان كلثومياً من النظرة الأولى إليه، بعد سماع الضحكات والآهات وترديد الأغاني مع الأحداث الممتدة أكثر من ساعتين ونصف. فالنهار عيد الميلاد، وهو عطلة رسمية في لبنان ، ومناسبة عائلية.

برافو كابتن

  كان يوماً بارداً، أمطاره صنعت مستنقعات صغيرة في الملعب الرملي، لكنّّه حدث كبير لا يجرؤ أحدنا على تفويته.

"عايشة الدور" مواهب وخفة ظلّ تطغى على القصة المكررة

  أنهيت للتو مشاهدة مسلسل "عايشة الدور"، وهو عمل درامي لطيف جداً يحمل بصمة خاصة رغم أنّ بعض أفكاره مستوحاة أو متكررة في العديد من الأعمال الأجنبية والعربية. لكن ما يميّزه حقاً هو قدرته على إعادة تقديم هذه الأفكار بشكل سلس وممتع، مع مسحة كوميدية غير مبتذلة، تحافظ على توازن العمل بين الجدية وخفة الظل.