التخطي إلى المحتوى الرئيسي

جداريات شارع الحمرا تهادن السلطات وتخالف جوهر الغرافيتي


إلى جانب ما يحظى به شارع الحمرا من صيت على مستويات التجارة والخدمات المالية والسياحية والترفيه، فإنّ الثقافة من معالم هويته البارزة. لا يقتصر النشاط الثقافي على أكشاك الجرائد والمجلات، ودور النشر، والمكتبات التجارية والجامعية، والمنتديات، والمسارح، ودور السينما، بل يتعداها إلى النقاشات العامة بين شرائح مختلفة على المقاهي؛ عمال وطلاب ومهنيين وفنانين ومثقفين. وبينما يروح هؤلاء ويجيئون، تبقى صامدة لوحات جدارية عملاقة تشارك في النسيج الثقافي، هي ما يتحدث الإدراج عنه.

هذا النوع من الفن يندرج في إطار الغرافيتي (Graffiti جرافيتي) العام، وينتشر على جدران مبانٍ مرتفعة في الحمرا، لتغطي واجهات كاملة منها. وبينما يتنوع ما بين مكتوب ومرسوم، تتنوع قضاياه أيضاً ما بين السياسي، والاجتماعي، والفني الخالص. لكن، هل يعتنق روح هذا الفن فعلاً؟


تقول الدكتورة صديقة الفتني، في بحثها "الممارسة الغرافيتية في ضوء النظرية النقدية لمدرسة فرانكفورت، أي تفسير؟"1: "تعود ظاهرة الكتابة والرسم على الجدران (الغرافيتي) بمعناها الاحتجاجي الحديث؛ إلى فترة الستينيات من القرن العشرين، وهي فترة شهدت موجات متنوعة من الخروج على الأنساق والنظم السلطوية. أخذت هذه الظاهرة، منذ البداية، معناها المتمرد عبر فعل الاستيلاء على الفضاء العام، والاستحواذ على مساحة مفتوحة يفترض أنها تخضع لهيمنة السلطات".

على هذا الأساس، تبتعد جداريات شارع الحمرا عن الاحتجاج، وتقترب أكثر من خطاب مهادن للسلطات يتيح لها الصمود أطول فترة ممكنة. وتعتمد في سبيل ذلك قضايا لا تثير جدالاً إعلامياً، بالابتعاد عن الأحزاب والشخصيات السياسية والقضية الفلسطينية ومقاومة العدو الصهيوني، والربيع العربي، مع الاقتراب أكثر من قضايا متوافق عليها إلى حدّ كبير؛ فولكلورية غالباً، أو إنسانية عالمية، أو غير مؤثرة تصل إلى حد الميوعة، أو تعالَج برمزية يصعب فهمها.

كلّ ذلك مما يهرب من جوهر فنّ الغرافيتي المناهض للسلطة، بمختلف أشكالها، في طبيعته... بل يجوز احتمال أنّ فنّ الغرافيتي في الحمرا مرتبط بالسلطة؛ سياسية أو تجارية حتى، والدليل ذلك الصمود للجداريات طويلاً، من دون أن أزعم أنّه يروّج للسلطة... والإشارة واجبة هنا إلى أنّ هذا النقد لا يطاول جانبه الفني بل السوسيومعرفي، أي مدى ارتباطه بواقع الناس.

مدونة "لا مناص" رصدت مجموعة من الجداريات في منطقة الحمرا، وبعض محيطها:

"أمنا الأرض" جدارية تجسد الشعوب الأصلية والفلاحين ومحاصيلهم
على مبنى في محلة أبو طالب، آخر شارع الحمرا الرئيسي.

"المبيّض" هذه المهنة العريقة المنقرضة، والتي تقوم على تبييض - أي تلميع -
أواني النحاس، ومعادن أخرى، باستخدام النار والرمل والملح والنشادر والقصدير
والقطن، تبرز على مبنى في محلة أبو طالب أيضاً. جدير بالذكر أنّ "تبييض الطناجر"
دخل في الثقافة الشعبية عن طريق المقولات الرائجة المشابهة للأمثال، وتعني العبارة
المبالغة في مدح شخص أمام آخرين، خصوصاً إذا كان الممدوح صاحب سلطة
ويريد "المبيّض" أن يطلب منه شيئاً ما. وقريب منها "النفخ" و"تمسيح الجوخ".

سوريالية في شارع الحمرا الرئيسي.

تقدم النساء في العمل العام. قرب مباني الجيفينور في منطقة الحمرا.

قضية الاختفاء القسري، على مبنى اللجنة الدولية
للصليب الأحمر (ICRC) في شارع جاندارك، الحمرا.

"كلنا للوطن". النشيد الوطني اللبناني على مبنى
قرب السارولا في شارع الحمرا الرئيسي.

وحيد القرن "رينو" متقمصاً وحيد القرن الأسطوري "يونيكورن"
على مبنى قديم في شارع سبيرز، قرب الحمرا.

"لن يموت شعب لديه غرندايزر" البطل الكرتوني الياباني الأسطوري،
منقذ الأرض، على جدار موقف سيارات في البريستول، بين فردان والحمرا

رعب. أول فردان.

نظرية التطور وصولاً إلى الرشاش والرمانة اليدوية، فالهاتف
في يد الشاب خارج الرسم. البريستول، بين فردان والحمرا.


خطوط، شارع الكومودور.
ضحكة صباح تضيء شارع الحمرا.

1 من كتاب الغرافيتي قراءة متعددة التخصصات" من إشراف الدكتور رمزي فارح، صادر عن "المركز الديمقراطي العربي للدراسات الاستراتيجية، الاقتصادية والسياسية، برلين - ألمانيا"، الطبعة الأولى 2024

عصام سحمراني

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

Pluribus: المقاومة بعد التطبيع

روّج الصهاينة قديماً أنّ  احتلال بعض أجزاء  الوطن العربي لا يتطلب أكثر من مجموعة فتيات إسرائيليات على دراجات هوائية. تصوير كاريكاتيري واضح، لكنّ دول المواجهة ومن خلفها دول الصمود والتصدي و"اللاءات" الشهيرة، لم تصنع الكثير لدحض أسطرة البطولة الصهيونية المطلقة في هذا الشرق المنكوب بحكامه وبالصهيونية معاً.

10 لقطات من عدوان الـ 46 يوماً على لبنان

  1- رفعت قوى حزبية لبنانية، منذ بداية عدوان الـ46 يوماً على لبنان، في 2 آذار 2026، أعلاماً لها في شوارع عدة من بيروت وغيرها من المناطق، كي تقول للصهيوني إنّ هذا الشارع لا يعاديك فلا تقصفه، بل ربّما بعضها يقول له إنّ هذا الشارع صديق لك... أقول ربما.

برافو كابتن

  كان يوماً بارداً، أمطاره صنعت مستنقعات صغيرة في الملعب الرملي، لكنّّه حدث كبير لا يجرؤ أحدنا على تفويته.