التخطي إلى المحتوى الرئيسي

المشاركات

بنزين بنور الله

  انضم غالون البنزين إلى ملصقات (Stickers) "واتساب". بات من الصور التي يتندر بها الأصدقاء في ما بينهم. غالون البنزين بات أساساً يحتل حيزاً من المخيلة وصولاً إلى الواقع الذي يجعله بعيد المنال، إلّا بمبلغ معين. والمفاضلة هنا لم تعد السعر، إذ إنّه أضعاف السعر الرسمي بطبيعة الحال، لكن في مصدر المادة ومدى نظافتها وتأثيرها في محرك السيارة أو الدراجة، غير المقدور حالياً بأيّ شكل على الاتجاه إلى الميكانيكي لأجله. تاجر السوق السوداء الذي يجلب بنزينه من محطة معروفة، ليملأها بالغالونات بعد إفراغ عشرات الدراجات الذاهبة والعائدة إلى تلك المحطة ومنها، هو تاجر "آدمي". لا معنى لاتهامه بأنّه "فاسد" فهذا الوصف فيه كثير من المثالية الفضفاضة البعيدة عن واقع المشتري نفسه، ممن يتبرأ من هذه التهمة، لكنّه في يوم أو في آخر يرضى بشراء غالون البنزين المجيد ذاك، وإن مواربة، في ما يشبه قول زياد الرحباني لمدام لور، في "نصّ الألف خمسمية": "عم تاكلي بالسرّ بس عم تنصحي بالعلن". النكات تتواصل عن البنزين وغالوناته، لكنّ بعضها مؤلم، يتحدث عن فتنة طائفية بين ضيعتين جنوباً....

كم طابق بتعمل باليوم؟

  تعلقنا بين الأرض والسماء. هي عدة الحداثة والتمدن. بات العيش في الطابق الثاني عشر عادياً، لكنّنا في لبنان... وصفة العادي تصيبها نوبات بين فترة وأخرى تضرب جوهرها وتنسي معتنقيها معناها. في لبنان، لا كهرباء اليوم، لا سيما العاصمة وضواحيها، والاشتراك الخاص يكرمنا إذا أوصل التيار 10 ساعات يومياً، ولا يصل إليها. الوصول إلى تلك الطوابق العليا، من السادس حيث يبدأ النفس بالانقطاع والنبض بالتسارع - خصوصاً إذا فُرض عليك رفع أثقال المواد الغذائية والأساسية اليومية معك، إذ لا ضمان لعدم فسادها بسبب غياب التبريد السليم- أشبه بإنجاز، لكنّه يتحول إلى قصاص مرير حين يُفرض عليك أكثر من مرة في يوم واحد وفي أكثر من بناء. اليوم النموذجي: أستيقظ عند السابعة في بيت أهلي، فأجلب حاجيات اليوم: هذه سبعة طوابق. أبدأ العمل عند التاسعة، ومع انقطاع الكهرباء، أستخدم خاصية تقنين الطاقة في جهاز اللابتوب. تدوم بطاريته أربع ساعات. وبعدها رحلة لا بدّ منها إلى منزلي، كي أكمل العمل منه: هذه خمسة طوابق أيضاً، نوعيتها أسوأ بكثير، إذ هناك ممر طويل بين الطابق والآخر. غالباً، لا تتوفر الكهرباء في منزلي، وفي هذه الحال، أشد الر...

بيتزا فقيرة ومنقوشة محمّضة

  الفرن الذي أطلب منه عادة في عين المريسة تغيرت نكهاته منذ فترة ليست بقصيرة تبعاً لاستعمال مواد أقل جودة، لا سيما الجبن واللحوم ومشتقاتها؛ من كفتة وسجق ومرتديلا وغيرها، تبعاً للأزمة الاقتصادية الحاصلة، وتداركاً لرفع الأسعار أضعاف ما هي عليه الآن وإن ارتفعت أساساً بأضعافٍ عمّا كانت عليه عام 2019. في الفترة الأخيرة، وبسبب الامتناع عن السكريات، بات طلبي موحداً كلّ مرة؛ بيتزا حجم وسط، عجينة سمراء، بالخضار. في المرة الأخيرة، فوجئت عندما وصلت البيتزا أنّها مؤلفة فقط من صلصة وجبن وقليل من الذرة، أي بلا فطر وفليفلة خضراء وزيتون، على الأقل. لكن، يبدو أنّ هذا النمط بات السائد في كثير من الأماكن، إذ يحكم الظرف الاقتصادي كلّ شيء، حتى أنّ عامل الديليفيري هو نفسه من ردّ على طلبي عبر الهاتف، توفيراً لإحدى النوبات. في كلّ الأحوال، يبقى الأمر أفضل من طلب زميل لي منقوشة بندورة وبصل، خوفاً من اللحمة بعجين واحتمالات فساد اللحم، وصلته محمّضة، إذ فسدت المواد في ظلّ انقطاع الكهرباء عن البرادات. فهل يتحمل صاحب العمل مسؤوليته في فحص بضائعه قبل بيعها، كي لا يخسر زبائن كحال زميلي هذا، أم إنّ كلّ فساد مرتبط ب...

سارا كوبلاند... أو صوتنا الذي لا يصل

  (تويتر) في خاتمة فيلم "ذا لاست كينغ أوف سكوتلاند" (2006، إخراج كيفن ماكدونالد، بطولة فوريست ويتاكير، وجيمس مكافوي)، يقول الطبيب الأوغندي للطبيب البريطاني غاريغان (مكافوي)، وهو ينقذه من الموت تعذيباً، بأمر من الرئيس عيدي أمين (ويتاكير)، ويساعده على الفرار إلى الخارج، عندما يسأله غاريغان "لماذا تفعل ذلك؟"، يجيب: "بصراحة، لا أعرف. تستحق الموت، لكن إذا متّ لن تتمكّن من فعل شيء، أما إذا كنت حياً فستكون قادراً على إصلاح نفسك". يفسّر: "لقد سئمت من الكراهية، دكتور غاريغان، وهذا البلد غارق فيها، ونستحقّ أفضل من ذلك. ارجع إلى بلادك، وقل للعالم الحقيقة عن أمين .. سيصدّقونك لأنّك أبيض".

يوم لبناني نموذجي

  السادسة وأربعون دقيقة صباحاً. تحتل الشمس نصف مساحة السرير، وتبدأ حريقها الهادئ، في غياب المروحة الكهربائية التي تتوقف مع انقطاع التيار عند السادسة. لا إمكانية لنومٍ أبعد من ذلك، خصوصاً أنّ المنبه الحارق ضروري، لأجل مهام يومية أساسية، قبل بدء دوام العمل في التاسعة.

من أين للبنانيين كلّ هذه الأموال؟

  في نقده أحد المسؤولين في الإدارة العامة، يقول الشاعر اللبناني، موسى الزين شرارة (1902- 1986): يا مديرَ الاقتصادِ الوطني/ دُلّني من أينَ أصبحتَ غني؟ لم تهاجرْ لم تتاجرْ لم ترِثْ/ عن أبيكَ الفذِّ غيرَ الرَّسنِ

في طريق اليأس

نيأس وأكثر، فنحن وسط عالم الأسمنت والقهر، ولا نعرف للسماء طريقاً، وللنجوم بريقاً، وللورود رحيقاً، ولا في الحبِّ رفيقاً. إنّما نتفاءل مواربة، لعلّها أيام أسرع، تمضي وتنقلنا إلى زمن أفضل ومكان أرحب من دون أن نعيش تفاصيل الانتقال، لكنّنا نشعر في تفاؤلنا أنّ أيّ انتقال لن يكون في صالحنا، بل هي مجرد حلقة إضافية تضيق علينا، ولا فكاك منها بتفاؤل أو بأمل أو بحلم، فيما كلّ طموح مكبوح بألف حلقة أشدّ. هذا هو الحال المحال، فأن ندرك أنّنا لا نعرف صالحنا ونترك كلّ الأمور تسير وفق نظامها فتموضعنا أينما شاءت، هو مهرب لذيذ - لا شك - يحمل خدراً مريحاً قد يمتد عمراً، لكن أن ندرك أنّنا نعرف صالحنا بالفعل، ولا قبل لنا على المضيّ في انحطاطه، فإنّها مسؤولية الانخراط في الوجه المقابل بكلّ كآبته وتعاسته وبؤسه ومرارته. ليس هناك احتفاء بمثل هذا الاختيار، لكنّه احتفاء بامتلاك القدرة في لحظة معينة على الاختيار، وهو ما لن يتكرر أبداً طالما سلكته. وسواء رضيت بحلقات تخنقك يوماً بعد آخر، أم لم ترضَ، فهي لن تزول، ولن يصنع التفاؤل ما يخالف الخيار الذي اخترت. عصام سحمراني