التخطي إلى المحتوى الرئيسي

المشاركات

بين شكسبير ومحمود

  حريق المكتبة العامة في سيفاستبول خلال حرب القرم 1855 (Getty) صديقي المصري محمود يفضّل الفن والأدب على الحياة البشرية. وأنا أخالفه رأيه. يسألني الشاب المتخرج حديثاً: لو افترضنا أنّ هناك حريقاً في مكان يضم آخر نسخة من أعمال شكسبير، أو تولستوي، أو دوستويفسكي، أو لوحة الموناليزا لليوناردو دافينشي. وفي المكان نفسه، طفل رضيع وحده. فإذا كنت لا تستطيع أن تنقذ إلّا واحداً منهما ماذا تختار؟ العمل الفني والأدبي أم الطفل!؟ أقول له: سأختار المستقبل لا الماضي. فأيّ أثر، أكان فنياً أم أدبياً أم فكرياً أم علمياً، يمكن للطفل نفسه الذي سأنقذه، أن يأتي بأفضل منه. سأختار الطفل أكان ابن ثري أميركي أم فقير هندي. أكان ابن نظام حريات اسكندنافي أم نظام قمع عربي. وسأختار المستقبل لأنّنا نعيش الحياة، ربما، على هدى السابقين. لكننا بالتأكيد، لنا أن نرسم مصيرنا بأنفسنا، مهما ضاقت علينا السبل، أو اتسعت. يسأل مجدداً: ومن قال إنّ شكسبير -مثلاً- من الماضي!؟ هل تعلم كم يؤثر كلّ يوم في البشرية؟ أي أنّه ما زال يؤدي دوره. وحتى لو افترضنا أنّ فنّ هؤلاء وأدبهم من الماضي، ألسنا بحاجة إلى معرفة الماضي لنصل إلى مستقبلنا!؟...

حقّي كإنسان

  بين المشاكل والمشاغل ومحاولات التغيير ورصد الانتهاكات، أقع بالصدفة على نصّ الإعلان العالمي لحقوق الإنسان. أراجع النص الصادر عن الأمم المتحدة بموجب قرار، عام 1948، فتمتلئ خلايا جسدي بالمعنويات. وأشعر بكلّ هذا الزخم الذي تمدّني به أرقى المنظومات الدولية.

اليهوديّة الأخيرة

  لم يكن أحد يحبّها. ولم تكن تحبّ أحداً. كانت متقدمة في السنّ، إلى تلك الدرجة التي يقال فيها: لقد نسيها الموت. والكره جزء من شخصيتها وسلوكها اليومي، تلقيه وتتلقاه. فهي اليهوديّة الأخيرة، ربما، في المدينة. وتشعر بكلّ هذه العنصريّة اليوميّة تجاهها، ولا تقابلها إلاّ بمثلها، أو بما هو أشدّ.

على درّاجة ناريّة

  من غرفة كهرباء صغيرة تنطلق. تزعج السكان، كلّما حاولوا الدخول ليلاً. يخافون لمسها، كي لا يبدأ إنذارها بالعويل. يرضخون لوجودها هناك. فلا أحد بلا خطيئة، كي يرجمها بحجر. بخاصة خطيئة الكهرباء، وسرقتها من خطوط الشبكات الأخرى.

محشش وأميركيّ

  هل سمعتم نكتة المحشش والأميركي؟ بسيطة وسريعة. وتشير، كعادة النكات، إلى أحكام مسبقة، تذكرنا بكثير من أمور حياتنا اليومية. وفي كثير من الحالات تعكس الواقع، كما هو، وإن بنكهة المبالغة والتهويل الكاريكاتيري.

مجدّرة حمراء

  جميلٌ أن نعرف أشخاصاً، ما زالوا يعتبرون البساطة من الأخلاق الحميدة، ويمارسونها... لكن على طريقتهم الخاصة، بل الخاصة جداً. سعيد، أحد هؤلاء. فالحياة بالنسبة إليه سهلة للغاية. لا تعقيدات فيها، ولا "بريستيج"، أو مظاهر فضفاضة. لا أحد يعلم ما الذي يراه سعيد في نومه. لكن في كلّ صباح، تُسرّ له حياته، أن يعيش يومه كما هو. فإن حضر الشيء مضى به، وإن غاب استغنى عنه.

بضائع مفخخة

  "انزلوا يا نَوَر، سلطان طازج يا بقر... العمى بعيونكم تعالوا اشتروا"... موشحات يومية، يطرب فيها موسى سكان الحيّ الكبير، في إحدى مناطق بيروت. يجوبه كلّ يوم، بعربة تعلوها أفرشة نظيفة، تمتلئ بالسمك، مرتباً بعناية. صيفاً وشتاء، لا يخلف موسى موعده. يميّزه سرواله القصير، وقميصه البلا كمّين، وسمرته البحرية. منذ بدء خروج الموظفين إلى أعمالهم، حتى موعد أذان الظهر، يتنقل بين زوايا الحيّ، ويركن في الناصية المفضلة لديه.