هل سمعتم نكتة المحشش والأميركي؟ بسيطة وسريعة. وتشير، كعادة النكات، إلى أحكام مسبقة، تذكرنا بكثير من أمور حياتنا اليومية.
تقول النكتة: "محشش سأل أميركياً: هل تدخن؟ أجابه: نو. هل تشرب الخمر؟ نو. هل تصاحب فتيات؟ نو. فثار عليه المحشش وشتم والدته: يا إبن (...)، كافر عبثاً!".
إذاً فالمحشش يفترض أنّ كلّ أميركي كافر. وكي يثبت جدارته بالكفر، عليه أن يمارس كلّ ما ذكره. فهل المحشش ذاك، مؤمن أم كافر؟
هو ربّما مؤمن لا يمارس معتقداته. بل على العكس من ذلك، يمارس كلّ ما أطلقه من صفات على الكافر. فهو، في هذه الحالة، يأسف فقط على ضياع كلّ ذلك الكفر لدى الأميركي، هباء منثوراً دون أيّ استغلال مفترض.
تلك قوانين المنطق الأزلية، التي تعلّمها المؤمنون من "الكافر" أرسطو بمقدمتيها ونتيجتها. كلّ أميركي كافر، ومحاور الحشاش أميركي، إذاً هو كافر.
لكن... "كلّ كافر يدخّن ويشرب الخمر ويصاحب فتيات"، والأميركي ذاك لا يقوم بكلّ ذلك، فهل هو كافر؟ يحتاج الحلّ إلى نكتة أخرى.
نكتة تقول إنّها مصيبتنا اليومية. تمتد بنا من بلاد إلى بلاد، ومن زمن لآخر. فالمذاهب تنهش بعضها بعضاً بافتراضات أصولية، وعقائدية مخيفة وغريبة، بل وغبيّة في معظم الأحيان.
والأحزاب تتقاتل بافتراضات أخرى، لا تقلّ غباء عمّا للمذاهب. وجميعهم يستخدم المنطق نفسه، لكن باختلاف مقدماته، وبالتالي نتائجه.
وما قاله أبو العلاء المعرّي يوماً عن "لاذقية تضجّ"، باتت منذ عهد بعيد، لاذقيات كثيرة. وتَعدّد "أحمدها ومسيحها" في كلّ مذهب.
أما المصيبة الأكبر، أن ننظر إلى أهل المذاهب، المرتبطين دوماً بعامل غيبي، بشكل عمودي. سنجد في القاعدة مؤمنين، بالعقائد، وكذلك بالممارسات الذاتية وضد الغير. وسنرتفع لنصل لوكلاء عليهم، بأمر الله، فهي مصالح المذهب العليا.
في القاعدة فقراء لا تصلهم من نعم المذاهب، سوى التعبئة ضد مذاهب أخرى. والحجة الدائمة الدفاع عن مقدسات هنا، وعن مصالح هناك، تتحول بدورها، منطقياً لا أسهل من منطقها، إلى مقدسات.
أما القمة فيتربع عليها سياسيون ورجال دين، مسؤولون عن المذهب والطائفة. وكثيراً ما يتصارع هؤلاء في ما بينهم على المكاسب، لكنّ صراعهم لا يظهر للقاعدة، في معظم الأحيان.
فالمطلوب دوماً الظهور بصورة العتيد، والقوي في مواجهة المذاهب الأخرى، وحامي الطائفة، وصلتها الأكيدة بالعالم الآخر.
هي حرب المنطق الأزلية، تحتاج إلى الكثير من المنطق... المختلف لتحمّلها.
عصام سحمراني

تعليقات
إرسال تعليق