التخطي إلى المحتوى الرئيسي

نُصْبٌ في بلد النَّصْب

 
اليوم، سخرت من الذكاء الاصطناعي. حاول بعدها أن يُظهر لي أنّي جرحت كيانه، لكنّه في الواقع كان يسخر مني ومنه.

قبل ثلاثة أيام، وصلت إلى نقطة الستارت على كورنيش عين المريسة منهكاً، بعد جولة مشي سريع من ملعب النجمة، فاستفز فضولي نصب عملاق مغلف بالنايلون الأزرق.
عين المريسة، 24-10-2026 (لا مناص)

حاولت أن أتوقع ما يمكن أن يكون. تخيلت قارباً بشراع، فالمكان مناسب له فوق المياه الزرقاء، أو شبه الزرقاء إذا احتسبنا كميات المياه الآسنة المتدفقة إلى البحر على مدار الساعة، محولة إياه إلى أطياف من الرمادي والجردوني والبني. ثم تخيلت عدّاءً يحمل شعلة، وهو تخيل واقعي أيضاً نابع من ماراتون بيروت السنوي... المشارك بدوره في سفح أموال المودعين عبر دعم قدمه مصرف لبنان له.

لكنني لجأتُ بعدها، على سبيل التسلية والاستئناس، أو ربما الكسل الإبداعي، إلى الذكاء الاصطناعي. التقطت صورة للنصب المغطى، وأرسلتها إلى أحد التطبيقات مع طلب مرفق بمعلومات مرتبطة: "هذا النصب لم يكشف عنه بعد، على كورنيش عين المريسة، بيروت. الصورة التقطها اليوم. أعطني صورة تتوقع فيها ما الذي سيكون عليه".

ردّ بهذا التصميم، الذي أعطاه صبغة واقعية، آخذاً بعين الاعتبار كليشيهات ترتبط بالعاصمة وما مرّت به في السنوات الماضية:
تصميم بالذكاء الاصطناعي (لا مناص)

لم أبالِ كثيراً بتصميمه، واعتبرته سخيفاً إلى حدّ ما، خصوصاً لجهة خلطه الواضح ما بين أشكال عدة من التماثيل والنُصب، على طريقته الدائمة في الأجوبة الإبداعية والتصميمية، مع تتويجه النصب بتلك العبارة السخيفة المشابهة لعناوين الأفلام الهوليوودية زهيدة الكلفة "فجر الحرية".

لكنّني اليوم تحديداً، فيما أشهد عبر الصفحات حفلاً كبيراً لإزاحة الستار عن النصب العظيم، بحضور شخصيات رسمية، فوجئت بالنتيجة، إذ كان كرسياً أزرق عملاقاً، يبدو أنّه من رموز مدينة نيس الفرنسية، ويقول الخبر إنّ فنانة معروفة صممته ليمثل التلاقي بين المدينتين على ضفتي البحر المتوسط.

لم يعجبني النصب بعد الكشف عنه، ولم أجد فيه ما يعبّر عني باعتباري من مرتادي الكورنيش الدائمين، بل إنّ صديقاً علّق: "ألأجل هذا الهراء، بعصوا الرصيف؟!". عندها عدتُ إلى تطبيق الذكاء الاصطناعي لأستطلع رأيه، فسخر مني فوق سخرية التصميم الذي قدمه لي سابقاً، وكتب: "يا للعار! يبدو أنني كنت متفائلاً أكثر من اللازم، ووقعت في فخ الخيال التجميلي الذي يرفض الاعتراف بالواقع اللبناني المرير".

بعيداً عن التصميم والتعليق "الذكي" أعتقد أنّ الذكاء الاصطناعي لم يلتقط فكرة الكرسيّ اللبنانية جيداً. الكرسيّ ما غيره، ذاك الذي يلتصق به كثيرون، ويطمح إليه كثيرون، ويزعم كلٌّ منهم أنّه خادم الشعب لا غير... يقول ذلك من فوق كرسي رئاسة ووزارة ونيابة وزعامة حزب وطائفة مستمرة منذ عشرات السنين بمنتهى الديمقراطية المشبعة بثقافة الحقوق... ففي النهاية لا فرق بين نُصْبٍ (تمثال أو لوحة) ونَصْبٍ (احتيال وخداع) غير حركة فوق نون... ولعلّ الرمز الذي جاء أصحاب الكراسي للاحتفاء به يهتز كما كرسي غير ثابت.
عين المريسة، 27-10-2026 (عن إكس)

* هامش 1: يبدو أنّ المسؤولين عن نشر الفنّ في شوارعنا، مهووسون بالكراسي، إذ سبق أن شهد الكورنيش المحاذي لخليج السان جورج كرسياً عملاقاً سنة 2024، ربما دلالة على الفراغ في كرسي الجمهورية الأكبر يومها. وبالاستناد إلى ذاك الفراغ مقارنة بالامتلاء اليوم، هل يدلّ الكرسيّ المهتز الأخير على شيء ما؟ هل يدلّ يا من حضر الاحتفال ورعاه؟

السان جورج، 24-6-2024 (لا مناص)

** هامش 2: "ولما انهزوا اجرين الكرسي... وجابوا كل الدول الشرسة... وربطوا الكرسي بنيوجيرسي... وبالمتعددة الجنسية" (من أغنية "نزهة ريفية")... وما أقرب الأمس لليوم.

عصام سحمراني

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

Pluribus: المقاومة بعد التطبيع

روّج الصهاينة قديماً أنّ  احتلال بعض أجزاء  الوطن العربي لا يتطلب أكثر من مجموعة فتيات إسرائيليات على دراجات هوائية. تصوير كاريكاتيري واضح، لكنّ دول المواجهة ومن خلفها دول الصمود والتصدي و"اللاءات" الشهيرة، لم تصنع الكثير لدحض أسطرة البطولة الصهيونية المطلقة في هذا الشرق المنكوب بحكامه وبالصهيونية معاً.

10 لقطات من عدوان الـ 46 يوماً على لبنان

  1- رفعت قوى حزبية لبنانية، منذ بداية عدوان الـ46 يوماً على لبنان، في 2 آذار 2026، أعلاماً لها في شوارع عدة من بيروت وغيرها من المناطق، كي تقول للصهيوني إنّ هذا الشارع لا يعاديك فلا تقصفه، بل ربّما بعضها يقول له إنّ هذا الشارع صديق لك... أقول ربما.

جمهور "الست"

  جمهور "الست" في قاعة "سينما سيتي" وسط بيروت ، في عرض الخامسة والنصف، كان كلثومياً من النظرة الأولى إليه، بعد سماع الضحكات والآهات وترديد الأغاني مع الأحداث الممتدة أكثر من ساعتين ونصف. فالنهار عيد الميلاد، وهو عطلة رسمية في لبنان ، ومناسبة عائلية.