عصام سحمراني
السفير
"بحياتي ما بسامحن "؛ عبارة صغيرة بكلماتها، كبيرة بمكنوناتها، أطلقها شابان صغيران شاءت الظروف اللبنانية الخاصة، أن تجعلهما يعيشان على طرفي نقيض. الأول هو "روني " وقد قصد المسلمين الذين "قتلوا خيي سنة 78، تقنص من جهة الشياح ". والثاني "عبد " في الطرف المقابل "لروني ". وقصد بكلماته المسيحيين الذين "كنت بعدني عم برضع لما خطفوا القوات بيي، وبعدو ما بين ". لا يفصل بين الإثنين أكثر من ثلاثين متراً من ضمنها "طريق صيدا القديمة ".
كنيسة مار مخايل، الشياح، عين الرمانة، الطيونة، بدارو، فرن الشباك... هي أسماء لمناطق حفظها اللبنانيون أيام الحرب. كما حفظوا أسماء الميليشيات والتنظيمات وزعمائها "متل أساميهم حفظوها " يقول بائع عصير البرتقال الذي ركن عربته عند تقاطع شارعي "البريد " في "عين الرمانة "، و"عبد الكريم الخليل " في "الشياح ".
تنتصب البنايات العالية، وقد رمم بعضها وأزيل البعض الآخر، في هذه الطريق الممتدة من "كنيسة مار مخايل " حتى "مستديرة الطيونة ". وهذه المنطقة تحتل حيزاً واسعاً من ذاكرة اللبنانيين. فهم، على إختلاف آرائهم في أسباب الحرب الأهلية، يتفقون على أن هذا المكان انطلقت منه شرارة الحرب التي استمرت طويلاً، على عكس بعض الأحداث السابقة، بدءاً من ثورة 58 حتى اغتيال "معروف سعد ".
وعلى الرغم من بعض الشقوق والثقوب في الأبنية العتيقة هناك، فقد زالت مظاهر الحرب من المكان بشكل شبه كلي. واختفت المتاريس، والحواجز، والميليشيات المسلحة، والتلال الرملية، ولوحات التحذير من القناصين التي كانت تنتصب عند كل مفترق مواجه للمنطقة الأخرى. وحل مكان هذا كله نشاط تجاري كبير، بمعارض سيارات عديدة، ومحلات متنوعة الأغراض، ومد بشري كثيف من الجانبين... "عين الرمانة "، و "الشياح ".
معظم شباب المكانين ولد في نهايات الحرب؛ أواخر الثمانينيات وأوائل التسعينيات. ينتشرون شباناً وفتيات في المدارس والثانويات، في الملاعب المغلقة وغير المغلقة، على نواصي الطرقات، أو في مقاهي الإنترنت ذات الأغلبية الذكورية.. "خاصة عنا بالشياح " يقول "رامي " وهو شاب لا يتجاوز السابعة عشرة من عمره، ولد في هذا المكان وما زال فيه، لأنه "ما إلي غير منطقتي. لوين بدي أطلع؟ ". ورغم أنه ليس من السكان "الأصليين " شأنه في ذلك شأن معظم السكان، فهو يتمسك بالمكان ويعلن أن "هيدي المنطقة هويتي". وينفي عن نفسه صفة الإنعزالية.. "ليش يا خيي؟ أنا ما عندي مشكلة مع حدا بس كل مين يضل بمنطقته هيك أريح!".
وهذه النظرة نحو الآخر، القريب مسافة، يشوبها القلق والخوف عند الكثيرين من الطرفين. "مارك " مثلاً ذو الخمس عشرة سنة لا يعرف أي شيء عن الحرب لكنه "تعودت ما إحكي مع إسلام ". وتعترضه زميلته "رلى " التي تدخلت حقيبتها المدرسية على كتفها لتقول "أنا صحيح مش حاكيي مع إسلام بس هيدا غلط لازم نكون إيد وحدة ". هذه المثالية الوطنية التي عبرت عنها "رلى " تقابل بالإستخفاف عند الكثيرين من شباب الطرفين: "كيف بدنا نوقف مع يللي ساعدوا الفلسطينية ضدنا؟ " تقول "نانسي " ( 15 سنة) ويوافقها الرأي صديقها "بول ". هذا الرأي الذي يبدو أنه صنيع بيئة معينة، يقابله رأي بيئة مخالفة يعبر عن رأيها "حسن " و "سلمان " (15 سنة) أيضاً ويعملان في محلات تغيير الإطارات. "ما بنعرف شي عن الحرب بس ما بهمنا نحكي مع مسيحيي ويصيروا أصحابنا.. ويدقولنا مس كول " يقول "حسن " بسخرية. ويضيف "سلمان " بلهجة لا تقل عن سخرية رفيقه: "ياحبيبي هني شي ونحنا شي! ".
ويعطي معظم الفتية والفتيات عناوين بارزة مطبوعة في عقولهم، عن معنى الحرب بالنسبة لهم. ويبرز هنا وبشكل واضح أن شباب "الشياح " يهتمون بمعرفة أمور عن الحرب والسياسة، أكثر بكثير من أقرانهم في "عين الرمانة ". ويعود ذلك؛ "للفعالية يللي عند أحزابنا "؛ يقول "علي " وهو يسند ظهره إلى حائط يحمل رسما عليه شعار كبير "لحركة أمل " مع صور لشهداء وضعت على حافته. وهذه المعرفة، يقر "علي "، سلاح ذو حدين: "أوقات بتمنى ما إعرف شي عن السياسة، لك يا ريتني خلقت بغير بلد ".
وتتلخص معرفة الشباب بالحرب بأمور خبروها عن طريق أهاليهم.. "قصص بيحكيها البابا "، تقول "لور " (14 سنة) وتضيف: "متل قصة يللي قتلوا مرافقين الشيخ بيار ". ويجاريها برواية ناقصة مشابهة "سامي " الذي لا يعرف عن الحرب سوى ما يردد والده: "من لما خلقت أسمعه يقول إنهم قتلوا الأبرياء بالبوسطة من دون ما يعملولن شي ". هناك فئة منهم لا تعرف أي شيء عن الحرب. "أي حرب؟ تبعيت إسرائيل؟ الأهلية؟! إي شو بدو يذكرني؟ " يقول "جان بول " من أمام الصالون النسائي الذي يعمل فيه. وتجاريه "هبة " (16 سنة)؛ "أنا ما بعرف شي بس بتمنى ما ترجع "، تقول وهي تنقر أزرار الكومبيوتر أمامها في مقهى الإنترنت. وترتفع أصوات الشبان من حولها، "ما معودين يجوا بنات لهون " تقول "هبة ". ومنهم من لا يهتم بمعرفة تاريخ الحرب "خلينا نفكر بالحالة الصعبة يللي عايشينها بدل ما نفكر بالحرب "، تقول "داليا " (16 سنة) وهي في السنة الثانوية الأخيرة. وتضيف: "كل الشباب عم يهاجروا من لبنان، هيك أشيا بدها حل".
الكثير منهم يتكلمون بلهجة يبدو فيها التأثر بحزب من أحزاب منطقته بشكل بارز. وينفرد الشبان من بينهم بهذا الأمر؛ "الشباب عندهم حرية أكتر بهيك إشيا خاصة "؛ يقول "جميل " (18 سنة) وهو في السنة الثانوية الأخيرة.. "هني الإسلام بلشوا قصف عالمنطقة ". ويعطي "جميل " حلولاً يعتبرها فعالة للتعايش: "خيي ما بدنا نكون إخوة بس فينا نعيش بلبنان مع بعضنا إذا عرفنا ننظم أوضاعنا ومن دون تقسيم ". ويرى أن الحل يكون "بزوال الإحتلال السوري وبخروج سمير جعجع من الحبس ". وينفي "جميل " صلته بالقوات اللبنانية: "لأ "شريك ". أنا مع التيار الحر ". ويقابل رأيه من الجهة الأخرى رأي "حسين " (17 سنة) الذي يعمل نجاراً في شارع "عبد الكريم الخليل "، فيؤكد أنه "هم رب التعصب ". ويبرهن ذلك بتشجيع أهالي منطقته لفريق "الحكمة " في كرة السلة: "شي مرة بحياتهم شجعوا النادي الرياضي "؟ يسأل "حسين " ويرد على كلام "جميل " بكلام حزبي هو الآخر: "نحنا واقفين مع سوريا صحيح، مش أحسن ما نوقف مع إسرائيل؟ ". لكن "جميل " ينفي بشكل تام الوقوف مع إسرائيل: "لأ ما بفضل إسرائيل على سوريا بس تنيناتهن عندي متل بعضهم ". ويثور: "شريك.. خدمونا ممنونين بس يحلوا عنا بقى ".
ولا يتفق الجميع على كيفية المصالحة. ومنهم من ينفي وجود خلاف أصلاً.. "ليش فيه شي؟ " يقول "عدنان " ويجاريه "كميل " في المنطقة الأخرى. ومنهم من يدعو إلى تناسي الأمر برمته "خلينا نبلش عن جديد "، تقول "ريما " وتضيف صديقتها "سوزي ": "هيدا غير جيل ليش بدنا نضل عايشين بالماضي ". ومنهم من يعتبر أن المصالحة تتم عبر "الإعتراف بالأخطاء " كما يقول "عدي " وهذا الأمر يستدعي برأيه "القيام بمصالحة وطنية " وقد سمع العبارة في برنامج "كلام الناس " "مع إني ما فهمت معناها كتير منيح بس مبين إنها شغلة عظيمة " يقول "عدي ". ومنهم من يراهن على حلول جذرية: "الله يبعت أميركا "؛ يتفق في الرأي "إيلي " من "عين الرمانة " و "ربيع " من "الشياح ".
هي عبارات تتناثر على جانبي خط تماس متقاعد، لكنه ما زال يعيش هناك بشكل أو بآخر لأناس ولدوا قبل نهاية سميت ملتبسة للحرب أو بعد تلك النهاية.. مجرد عبارات بعضها موروث وبعضها الآخر مكتسب. وقد كانت حربا.. وكانت أهلية.. وقد دامت 15 سنة. لكن. من يقرب هؤلاء من بعضهم.. من يجرؤ يوماً ما على إقناع "روني " و "عبد " بأنهما شقيقان في وطن واحد؟ فعلا؟ من؟

تعليقات
إرسال تعليق