تطفيش فائض موظفي القطاع العام
موظفو القطاع العام في لبنان درجات في الفئة نفسها. هذه الدرجات المقصودة ترتبط بكيفية توظيفهم أكان عن طريق الكفاءة المرتبطة بالمحاصصة الطائفية المعهودة في المؤسسات العامة، أم بالمحاصصة الطائفية المعهودة لكن بالمحسوبية بدلاً من الكفاءة خصوصاً في مواسم الانتخابات وشدّ العصب الطائفي. الفريق الأول يتحمل غالباً مهام كثيرين من الفريق الثاني، إذ إنّ المدعومين من زعاماتهم وأحزابهم، لهم هامش كبير في التغيب عن دواماتهم بإجازات متنوعة، وأحياناً من دون إجازات، فيما غير المدعومين يبيعون قوة عملهم بمبدأ اقتصادي بسيط ليحصّلوا رزقهم، وإن تجاوز ذلك حقهم في المساواة في أحيان كثيرة.
لا مشكلة غالباً على سيرورة العمل الإداري في مثل تلك الحالات، إذ إنّ الإدارة العامة تعاني من تضخم هائل في أعداد الموظفين في جميع الفئات، ويمكن أن يغطي موظف واحد مهام ثلاثة موظفين، فمن الأرقام الأخيرة أنّ عدد الموظفين في القطاع العام يبلغ نحو 320 ألفاً، يطالب صندوق النقد الدولي ضمن شروطه الأساسية لمساعدة لبنان بالتخلص من أكثر من نصفهم، كونهم يتسببون بهدر كبير لأموال الخزينة العامة. المشكلة الأكبر التي تواجه بعض الإدارات في لحظات معينة أن يكون جميع الموظفين فيها من أصحاب المحسوبيات، لكنّه وضع متخيَّل ربما، إذ إنّ المهندس اللبناني العبقري الذي يسيّر ماكينة الإدارة العامة يلحظ دائماً هذا الاحتمال، فيكون هناك في كلّ دائرة من "يشيل الشغل" عن غيره، كي لا تتعطل مصالح الناس طبعاً!
السيناريو الغريب في المفاوضات مع صندوق النقد الدولي أنّها ترافقت، وما زالت، مع تدهور الليرة اللبنانية مقابل الدولار الأميركي، فكأنّ ذاك المهندس الحربوق نفسه، يريد أن يلبّي شرط صندوق النقد الدولي بموافقة أصحاب المحاصصات لكن من دون التسبب بزعل أولئك المحسوبين عليهم من أنصارهم ومفاتيحهم الانتخابية وعصيّهم في الشوارع حين تحتدم الأمور. هكذا، تدنّت قيمة الأجور إلى مستوى مخيف يؤدي إلى تطفيش كثيرين من الموظفين الفائضين، فيقدمون استقالاتهم، أو يتوقفون نهائياً عن الحضور، مع ما في ذلك من عقوبات يمكن أن تسجَّل هذه المرة ولا يمكن التغاضي عنها في لحظة مفاوضات مع صندوق النقد الدولي تريد إظهار النزاهة والكفاءة والشفافية، ولو مع كذب وتمثيل كما جرت العادة في كثير من الملفات. لكنّ الأسوأ في الأمر أن يطفش الموظفون الأكفاء، وهو منطقي أكثر، إذ إنّ هؤلاء قادرون على العمل - إذا تمكنوا من الحصول على فرصة في القطاع الخاص المأزوم بدوره- أما المحسوبون على الزعماء فهم مجرد فضلات تعيش على تعب غيرها لا أكثر، فأيّ شركة توظفهم، وهي تعلم أنّهم لم يكونوا يعملون؟
لا شكّ أنّ الشروط التي يفرضها صندوق النقد الدولي للإقراض وإنقاذ الدول من أزماتها الاقتصادية يشوبها اتهام بالظلم والتنميط، إذ لا تراعي الخصوصيات الاقتصادية للدول وتريد للعالم بأكمله أن يسير بحسب اقتصاد السوق، لكنّ لبنان باقتصاده الريعي غير المنتج، دخل في مفاوضات مع صندوق النقد الدولي من دون نية سابقة أو حالية بل مستقبلية أيضاً بتحويل الاقتصاد إلى الإنتاج، يمكن أن يستفيد من تلك الشروط الآتية "من فوق" لتنظيف تلك الإدارة العامة من مخلفات لا تفعل شيئاً غير تقاضي رواتب من دون أيّ جهد... لكن، إذا كان صندوق النقد يصرّ على هذا الشرط لا يمكنه أن يصرّ على شرط عقد الانتخابات في مواعيدها الدستورية. فهذان الشرطان في البنية السياسية اللبنانية متعارضان تماماً، إذ كيف يكافئ الزعماءُ ناخبيهم المخلصين بغير تحويلهم إلى فوائض أنهكتنا طوال قرن كامل!؟

تعليقات
إرسال تعليق