الأسد والفيل والحمار والثعلب في لبنان


زعموا أنّ فيلاً هرب من الغابة فسألوه: لماذا هربت؟
أجاب: لأنّ الأسد قرر أن يقتل جميع الزرافات هناك.
فتعجبوا وسألوا: لكنّك فيل ولستَ بزرافة!
ردَّ: أعلم أنّي فيل ولست بزرافة، لكنّ الأسد كلف الحمار بتنفيذ القرار.

العبرة في هذه القصة واضحة في إسقاطها على كثير من مؤسساتنا، بدءاً من الأنظمة والحكومات وصولاً إلى أصغر المديريات، إذ ترتبط بتولي الشخص غير المناسب المسؤولية. وما ينشأ عن ذلك من ضرر بالغ على بقية المواطنين.

والقصة إذ تصور الغباء المتوقع، والمختبَر من قبل بطبيعة الحال، للمسؤول المعيَّن - الحمار، ومبادرة المواطن - الفيل إلى اتخاذ إجراءات وقائية كي لا يقع تحت طائلة الغباء، لا تحدد الفساد الهائل الكامن خلف قرار التعيين في الأساس، بل ترمي إلى التعامل مع النتائج وليست الأسباب. فالحمار المعين يعرف القاصي والداني أنّه سيتصرف على هذا الحال - طبقاً للمنطق الصوري الأكثر ترسخاً في وجدان شعوبنا والذي يبني على الواقعة لإنتاج القيمة- وبذلك يتعامل الفيل مع التعيين نفسه باعتباره قدراً سماوياً فُرض على الغابة - الوطن، من دون أن يتمكن المواطن من مساءلة المسؤول الحقيقي عن قرار تعيين الحمار؛ أي مساءلة الأسد، المستبد الأكبر.

الأخطر في حالة بلد مثل لبنان لم يرتقِ إلى مستوى الدولة، أنّ الفساد قائم من رؤوس الهرم في نظام طوائفي، لا أسد فيه يستأسد على البقية إلّا في الظاهر وتبعاً لكلّ مرحلة، بل هو نظام قائم على المحاصصة بتوليفة السياسي ورجل الدين والمصرفي داخلياً، والتبعية الدائمة للخارج سياسياً واقتصادياً، والخارج لم يكن واحداً في أيّ وقت.

هذا الفساد لا يفيده تعيين الحمير في منصب المسؤولية، بل يعين الثعالب، وأيّ ثعالب! هذه الثعالب ذكية وليست غبية، لكنّ ذكاءها بالتأكيد يخدم المنظومة الحاكمة، وتجد طرقاً عدة لاستغلال المواطنين والتلاعب بمصائرهم من دون أن تتيح لهم الفرصة لمغادرة الغابة. فالثعالب قادرة على التلاعب بالحقائق حتى تظهر للفيلة الأمور على غير ما هي عليه؛ فكم من فيل خسر أمواله المودعة في المصارف اللبنانية؟ وكم من فيل استدرج لجلب جنى عمره من الخارج لتوظيفه في استثمارات خاسرة، تجارية ومالية، وإن أظهرتها الثعالب رابحة؟ وكم من فيل انتمى إلى الحزب الفلاني وهتف بروح الزعيم العلاني، وضرب ولبط بقوائمه وخرطومه، ووجد نفسه اليوم أكثر المتأثرين بالانهيار الشامل في لبنان؟ وكم من ثعلب يتلاعب بالدولار في السوق السوداء؟ وكم من ثعلب يهيئ مع ثعالب أخرى تحالف أسياده بعضهم مع بعض في لحظة معينة على حساب الفيلة جميعاً؟

هذا الثعلب يتابع عمله، ولم يتأثر بالأزمة الخانقة في البلاد، وفي أيّ مشروع مستقبلي ستجده على رأس مهامه، فيما الفيل ما زال يحسبه أقلّ خطورة من الحمار، بل إنّ البعض يفصل الثعلب عن مشغليه، المنزَّهين أبد الدهر.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

جمهور "الست"

"عايشة الدور" مواهب وخفة ظلّ تطغى على القصة المكررة