هل يصمد اللبنانيون 6 أو 7 سنوات؟

احتجاجات في بيروت

"أهم رسالة أوجهها الى اللبنانيين هي: أحبّوا بعضكم بعضاً. ومن المؤكد أنّ التغيير آتٍ وسيحصل. وهذا التغيير سيكون فكرياً وعملياً، لأنّنا وصلنا إلى ما نحن عليه نتيجة الخطيئة والسرقة والفساد والفشل في النظام. وهذا ما سيفرض تغييراً معيناً، إلّا أنّ هذا التغيير بحاجة إلى وقت، والخلاص يأتي بشكل تدريجي، ولبنان بحاجة الى 6 أو 7 سنوات للخروج من الأزمة التي يعاني منها".

هذا النص نقلته "الوكالة الوطنية للإعلام" عن لسان رئيس الجمهورية ميشال عون، في مقابلته على قناة "أو تي في" بمناسبة عيد الميلاد.

من الواضح أنّها رسالة متفرعة إلى شق عاطفي يرتبط بأجواء الميلاد أكثر مما يرتبط بالظروف المعيشية الواقعية، وهو الشق الذي تمثله عبارة "أحبّوا بعضكم بعضاً" والتي تماثل إلى حدّ كبير خطابات رجال الدين من منابرهم، الذين غالباً ما يعبّرون عن أمنيات لا أكثر، أو ربما يواربون في قول ما لا يفعلون. أن يحبّ اللبنانيون بعضهم بعضاً، يعني أن يعتبر اللبنانيون أنفسهم لبنانيين فقط لا غير في تعاملاتهم اليومية، بمعزل عن طوائفهم ومناطقهم وأحزابهم وحظوتهم لدى النظام، وهي اللازمة الفولكلورية المعتادة التي تتغاضى عن كلّ التعصب والتسلط والفساد والاستقواء والاستخفاف والتمييز، ولكلّ منها أسبابه السوسيولوجية العميقة في الواقع اللبناني، لتعلن أنّ مشكلة اللبنانيين غياب الحبّ بين بعضهم بعضاً، أو أنّ تجاوز منتخب كرة القدم أو كرة السلة مرحلة رياضية متقدمة مثلاً يحلّ مشاكل اللبنانيين. الواقع مختلف، والحبّ - مجرد الحبّ- لا يحلّ شيئاً من أزمات لبنان، فيما الانهيار الحاصل.

الشق العملي في رسالة الرئيس عون هذه ذو طابعين. الأول تشخيصي ماضوي، يرتبط بالأسباب التي أدت بنا إلى ما نحن فيه، وهي أسباب مؤكدة تدخل في إطارها بنود كثيرة، فـ"الخطيئة والسرقة والفساد والفشل في النظام" هي التي أوصلتنا إلى ما نحن فيه، ولعلّ "الفشل في النظام" وحده يضع كلّ من شارك في النظام وكان مؤثراً بمختلف الدرجات في الخانة نفسها، ومن هؤلاء كلّ رئيس وكلّ وزير وكلّ مدير عام بالإضافة إلى حاكم مصرف لبنان ومساعديه، بل يمتد الأمر إلى النواب، بصفتهم غير ممثلين أكيدين للشعب بل تابعين خاضعين لأحزابهم وزعاماتهم المشاركة في السلطة بشكل أو بآخر، ويواصل الامتداد إلى الوظائف الدبلوماسية والأمنية والعسكرية والقضائية، وكلّ ما كان على علاقة بالشأن العام طوال سنوات ما بعد الحرب. كما أنّ لـ"الفشل في النظام" أسباباً خارجية بالإضافة إلى الداخلية، ينفصلان حيناً، وينجدلان أحياناً.

أما الطابع الثاني فيرتبط بوعد مستقبلي، حول التغيير، الذي لم يحدد الرئيس ماهيته، لكنّ كلامه يوحي أنّه تغيير مؤكد. فإذا ربطنا التشخيص بالنتيجة المحتملة يتبيّن لنا، أنّ التغيير المنشود هو تغيير للنظام نفسه الذي فشل. فهل تغيير النظام هو ما يقصده الرئيس؟ لكنّه هو نفسه رأس هذا النظام، وجاء إلى الرئاسة بفضل هذا النظام وتوليفاته وتركيباته ومحاصصاته.

لا نظام في الدنيا فاشلاً بالكامل، ولا نظام ناجحاً بالكامل، لكنّ مشكلة نظامنا بالتأكيد هي قابليته للفساد وللتسلط وللسرقة وللخطيئة، وكذلك لجميع أشكال التمييز والتهميش والإقصاء. والفشل نابع بالتأكيد من المواطَنة الناقصة التي تجد بديلاً لها في الطائفية، لناحية اجتماعية - سياسية، ونابع من انعدام العدالة في توزيع الثروات لناحية اجتماعية - اقتصادية، وهو دأب كلّ اقتصاد سوق، لكنّ الفارق في اقتصادنا أنّ التنمية المطلوبة لا يحصل عليها المواطن الفقير - كي يرضى بفقره وتهميشه - كحق له، بل كمنّة من زعيم طائفته تدخل في بازاره الانتخابي عادة، وهو ما يعيد ربط النواحي الاجتماعية - السياسية، والاجتماعية - الاقتصادية، بعضها ببعض من دون قدرة على الفكاك. فهل من أحدٍ قادر على مواجهة كلّ هذه الأقطاب المتمترسة خلف السلاح والمال والأجهزة الأمنية والعسكرية والقضائية والعلاقات الخارجية - بل التبعيات في معظمهم - وخلف سلاح المؤسسات الدينية ورؤساء الطوائف الروحيين؟ بهذه الطريقة يمكن أن يواجَه النظام، وهو ما يبدو شبه مستحيل إذا ما نظرنا إلى الواقع.

أما الوعد بخروج لبنان من الأزمة التي يعاني منها بعد 6 أو 7 سنوات، فالمقصود منه بالتأكيد إعادة الأمور إلى ما كانت عليها قبل الأزمة الراهنة وليس التغيير الفعلي في النظام. عودة الأمور إلى ما كانت عليه عام 2019، لا تبدو ممكنة، بل إنّها شبه مستحيلة في ظلّ فقدان الثقة بالنظام المصرفي، واستمرار انهيار الليرة اللبنانية لصالح الدولار الأميركي، وتعدد أسعار الصرف ما بين سعر رسمي وسعر مصرفي وسعر منصة وسعر في السوق السوداء، وفي ظلّ السجال المستمر حول القضاء، وتدهور أوضاع المؤسسات العامة بما فيها العسكرية والأمنية، وانفلات الشارع، وانتشار الجرائم، وانسداد آفاق الوظائف والمشاريع أمام الشباب، وصولاً إلى توقعات بنتائج سلبية لمخرجات التعليم، ستظهر لاحقاً. بل إنّ صندوق النقد الدولي صرح سابقاً أنّ لبنان يحتاج إلى نحو عشرين عاماً للعودة إلى ما كان عليه.

في ظلّ الظروف الراهنة، قد لا يصمد كثير من اللبنانيين 6 أو 7 سنوات، لا سيما من لا تصلهم أموال المغتربين التي تساعد كثيرين في الصمود، وهو ما سينعكس هجرة إضافية إلى الخارج، وفوضى أكثر في الداخل، فيما التغيير الحقيقي يحتاج بالتأكيد إلى ما هو أكثر من وعود... يحتاج إلى بناء دولة لم تُبنَ بعد، وإلى وطنية تستبدل الطائفية، وإلى مواطنين يستبدلون الرعية.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

جمهور "الست"

"عايشة الدور" مواهب وخفة ظلّ تطغى على القصة المكررة